الشيخ السبحاني
22
مفاهيم القرآن
بل انطلق المحقّق من نفس هذه القاعدة لاثبات سلسلة من الصفات الثبوتيّة حيث قال : « ووجوب الوجود يدل على ثبوت الوجود ، والملك والتمام والحقّية والخيرية والحكمة والتجّبر والقهر والقيوميّة » « 1 » . فقد سبقه إلى ذلك صاحب كتاب « الياقوت » في علم الكلام إذ قال وهو بصدد تنزيهه سبحانه عن الصفات غير اللائقة بساحة قدسه : « وليس بجسم ولاجوهر ولاعرض ولاحالًّا في شيء ولا تقوم الحوادث به وإلّا لكان عرضاً » « 2 » . وإن شئت قلت : إنّ ذاته سبحانه نفس الكمال ، وفوق ما يتصوّر من الكمال ، وليس للنقص إليه سبيل ، فإذا كان كذلك فيجب أن يوصف بكلّ ما يُعدّ كمالًا فينزّه عمّا يعدّ نقصاً ، فالصفات الذاتية صفات كمال لا محيص عن الاتّصافبها ، كما أنّ الصفات السلبيّة صفات تنزيهيّة طاردة للنقص عن ساحة ذاته فيجب التنزيه عنها ، فإذا كان العلم والقدرة والحياة أوصاف كمال وكانت الجسميّة والتركّب والحالّيّه والمحلّيّة صفات نقص فيجب التوصيف بالأولى والتنزيه عن الثانية ولأجل ذلك قلنا : إنّ الصفات الثبوتية والسلبية ترجع إلى اثبات أمر واحد وهو الكمال ، وسلب أمر واحد وهو النقص . وبتعبير آخر لاثبات صفاته وهو أنّ الوجودات الامكانية وجودات متدلّية قائمة بوجود الواجب وما لها من صفات كمال كالعلم والقدرة والحياة ، فالمالك الحقيقيّ لها هو اللَّه سبحانه ، والمعطي لها هو اللَّه سبحانه . قال تعالى : « لِلّهِ مَا فِى السَّمواتِ وَمَا فِى الأَرْضِ » . فالعلم والقدرة والحياة كلّها تجلّيات لعلمه وقدرته وحياته ، فإذا كان كذلك فالعلم الأصيل والقدرة الأصيلة والحياة الحقيقيّة للهسبحانه .
--> ( 1 ) . كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد : ص 178 - 185 ( ط صيدا ) . ( 2 ) . أنوار الملكوت في شرح الياقوت : ص 76 - 80 - 81 - 92 .